“الهاشتاغ” صرخة رقمية تقرع جرس الاحتجاج

الحرية تي في - الحرية تي في آخر تحديث : 27‏/8‏/2020 22:05

رجاء قيباش

” إن معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها ” / ( جوستاف لوبون Gustave LE BON ).
– هل فعلا الثورة الرقمية تساهم في رفاهية البشر أم هي ستار يحجب جانبا مظلما ينذر بالمخاطر؟
– هل كلما ازدادت تقنيات الاتصال تطوراً وتعقداً ازداد العالم انشطارا؟
____________________________

إن دول العالم أقرت مبدئيا بأن الأجواء المشحونة و التغيرات الجيوسياسية و الاجتماعية المتزايدة التي تعيشها ، تقع جراء التدرجات الانتقالية من الأفكار الكلاسيكية ، رغم اتسامها بالعقلانية و المنطق – على ما يبدو – و هطول وابل من المعتقدات و القناعات المتجددة على الوعي الجمعي ، لكنها ، عمليا ، منبثقة عن ظروف معيشية غير متوقعة و متقلبة ، يتم التحكم فيها بواسطة ثورة اتصالات عالمية ، تُضفي صفة ما أطلق عليه “إيثان زوكرمان Ethan Zuckerman” : “الكونية الرقمية “، على أسلوب إدارة المجتمعات ، و تلعب دورا محوريا في عصر يشهد تمرد التواصل البشري على الحدود الجغرافية و السكانية.

نحن نعيش في حقبة باعثة على الاهتمام و مثيرة للجدل ، نتيجة تطور بشري متعاظم ، يواكبه تقدم هائل في سرعة انتشار الأخبار، وإمكانية تبادل الآراء ووجهات النظر، مهما اختلفت مشاربها ، فبين السخرية و التعبير عن حالات الحصر النفسي و النكتة العدائية و نقد الواقع، تتأرجح وسائل لفت النظر إلى قضية ما ، سواء بدعمها أو نقدها ، حيث يكفي إطلاق اقتراح ، ليصل بسرعة البرق إلى جميع بقاع العالم ، باستعمال الوسم أو علامة المربع أو ما يتداول ب ” الهاشتاغ Hashtagh ” على أي كلمة تبدأ بإشارة (# ) كي تصبح موضع نقاش مفتوح بين الناس، حيث بدأ استخدامه لأول مرة على موقع “تويتر Twitter ” بطريقة عفوية في تغريدة ل “كريس مسينا Chris MESSINA”سنة 2007، و اكتسى هذا الرمز ، بعد ذلك ،صبغة عالمية للتعبير عن المواقف عبر مختلف المنصات الاجتماعية.

لا يمكن أن ننكر ، أنه أضحى باستطاعة الأنترنت أن يكون من أهم الأنزيمات المحفزة للثورات عن بعد ، من أجل إرساء حوار سلس و ميسر بين المواطنين و الحكومات ، ما بين مؤيدين و مستنكرين لقضايا شائكة ، متأثرة بالانحيازات النفسية للأفراد التي تهدد المبادئ المؤسسية العامة ، لأنها قد تتركز في مواقف تتبنى ما يسمى ب ” مبدأ الهالة ” ، كسلوك (عادةً ما يكون غير واعٍ) إذ هو نوع من التفاوت في الحكم الفوريّ، أو في التحيز المعرفي من ناحية ، و كتقييم فرديّ يمكن أن يؤثّر على انطباعات القرارات، التصرّفات الفردية خاصة ، والكيان الاجتماعي عامة من ناحية أخرى .

و إذا نظرنا إلى التحقيب الزمني نجد أن تاريخ الاحتجاجات ينقسم إلى مرحلتين :مرحلة أولى اتسمت بقيادة مؤسسات ماكرواجتماعية ( المؤسسة العسكرية ، الأحزاب السياسية ، الطبقة الأنتلجنسية …) ، تليها مرحلة ثانية يكون فيها الاحتجاج نابعا من فعاليات فردية ، تتحول فيما بعد إلى قوة تعبوية / احتجاجية جماعية .

وفضلا عن هاجس التغيير، يهتم الاحتجاج بعنصر لا يقل عنه أهمية و هو عنصر الاستمرارية، و هذا ما يفتقده – إلى حد ما – الاحتجاج الرقمي ، نظرا لاستجابته غالبا لإغراءات ” أنترنيتية” لا عقلانية ، توجه المجتمع الرقمي نحو إصدار أحكام انفعالية لحظية حول مظالم أخلاقية و ثقافية و سياسية ، كمظهر بارز للمطابقة الاجتماعية ، و الانسياق خلف تأثيرات طائفية أو عصبية أو عشائرية ، و هذا ما سماه البعض” بسلوك القطيع” ، الذي يسبح عكس تيار “التوافق الاجتماعي” المبني أساسا على ردود فعل الأفراد نتيجة شعورهم بالأمن الاجتماعي أو افتقاده.

من المعلوم أن حماية المجتمعات من استشراء “الفيروسات الحياتية” بشتى أنواعها ، مرتبط –أساسا- بتقوية المناعة الأخلاقية للأفراد، لأن القيم الأخلاقية كما أثبتت الدراسات الأنتروبولوجية المعاصرة ، تجد صعوبة في الصمود أمام النزعة الأنانية و الحاجات الغريزية في غياب التمتع بالحصانة الذاتية و عدم الالتزام بعقد إنساني أبرز بنوده الحق في الأمن ، و من تم الافتقار لأبسط مقومات التعايش السلمي و سيادة زمن ” السيبة” .

على رأي ” آلان تورين Alin TOURAINE: ” يجب أن نترك الهدوء المطمئن للطوباوية و النبوءات ، كي ننزل إلى الحركة المقلقة ، و لكن الحقيقية ، للعلاقات الاجتماعية ” .

ذة رجاء قيباش / شاعرة / كاتبة / إعلامية / باحثة في علم الإجتماع /كوتش أسري و تربوي / مدربة معتمدة في التنمية الذاتية .

“الهاشتاغ” صرخة رقمية تقرع جرس الاحتجاج
رابط مختصر
27‏/8‏/2020 22:05
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة "الحرية تي في" وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.